خطبةالتوبةو الاسغفار الجمعة ليوم 9محرم 1431هج الموافق  27/12/2009م 

الخطيب الشيخ سمير الابراهيم 
جامع أنوارالاسلام حماه دامس
الحمد لله رب العالمين قابل توبة التائبين ومبدل سيئاتهم بالحسنات إن عادوا مستغفرين واشهد ألا اله الله الملك الحق المبين واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين
اللهم صلي على سيدنا محمد واله وصحبه الطيبين الطاهرين
عباد الله : أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأنهاكم عن مخالفة أمره وعصيان واستفتح بالذي هوخير فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره 
أما بعد
أيها الإخوة لكل زارع حصاد فإن زرع وانتبه إلى زرعه كان في نهاية عامه من الرابحين فكم يكون فرحه كبيرا عندما يجد نتيجة زرعه طبية مباركة 
والمسلم في حياته الدنيا زارع لإخراه فعندما ينتقل من هذه الدنيا يجد نتيجة زرعه 
وكما الزارع أرضه إن لم يأته محصول في نهاية الموسم يتعلم إلى الموسم القادم ويبادر بإصلاح ما كان سببا في ضياع موسمه الفائت. يجب علينا أن نراجع حساباتنا لهذا العام الذي مضى هل كنا في قرب من الله أم بعد عنه فمن وجد القرب فليحمد الله ومن لم يجد عليه المسارع بالتوبة التوبة نعم وما التوبة 
التوبة: رجوع عما كان مذموماً في الشرع إلى ما هو محمود فيه، وهي مبدأ طريق السالكين، ومفتاح سعادة المريدين، وشرط في صحة السير إلى الله تعالى.

وقد أمر الله تعالى المؤمنين بها في آيات كثيرة، وجعلها سبباً للفلاح في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُّها المؤمنونَ لعلَّكُم تُفلِحُونَ}[النور: 31].

وقال تعالى: {استغفروا ربَّكُمْ ثم توبوا إليهِ} [هود: 52].

وقال تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا تُوبوا إلى اللهِ توبَةً نصوحاً} [التحريم: 8].

وكان الرسول المعصوم عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يجدد التوبة ويكرر الاستغفار تعليماً للأُمة وتشريعاً: عن الأغر بن يسار المُزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوبُ في اليوم مائة مرة" [رواه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر].

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط:

أحدها: أن يقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها.

والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً.

فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها. فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كان [أي حق الآدمي] حدَّ قذفٍ ونحوه مكَّنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غِيبة استحلَّه منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب) ["رياض الصالحين" ص10].

ومن شروط التوبة ترك قرناء السوء، وهجر الأصحاب الفسقة الذين يحببون للمرء المعصية، وينفرونه من الطاعة، ثم الالتحاق بصحبة الصادقين الأخيار، كي تكون صحبتهم سياجاً يردعه عن العودة إلى حياة المعاصي والمخالفات.

ولنا عبرة بالغة في الحديث الصحيح المشهور الذي روى لنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة قاتل المائة [رواه مسلم في صحيحه كتاب التوبة وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه] الذي أرشده أَعْلمُ أهل زمانه إلى أن الله يقبل توبته، واشترط عليه أن يترك البيئة الفاسدة التي كان لها الأثر الكبير في انحرافه وإجرامه، ثم أشار عليه أن يذهب إلى بيئة صالحة فيها أُناس مؤمنون صالحون ليحبهم ويهتدي بهداهم.

والمسلم يجب ا لا ينظر إلى صغر الذنب، بل ينظر إلى عظمة الرب، اقتداءً بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد كان أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إنْ كنا نعدُّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. قال أبو عبد الله: يعني بذلك المهلكات) [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق عن أنس رضي الله عنه].

ولا يقف المسلم عند التوبة من المعصية، لأنها في رأيه توبة العوام، بل يتوب من كل شيء يشغل قلبه عن الله تعالى، وإلى هذا أشارالعرف بالله ذو النون المصري رضي الله عنه لما سئل عن التوبة فقال:

)توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة) 
ويقول عبد الله التميمي رضي الله عنه: (شتان بين تائب وتائب... فتائب يتوب من الذنوب والسيئات، وتائب يتوب من الزلل والغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات والطاعات)

واعلم أن المسلم كلما صحح علمه بالله تعالى، وكثر عمله دقت توبته ؛ فمن طهر قلبه من الآثام والأدناس وأشرقت عليه أنوار الإيناس لم يخْفَ عليه ما يدخل قلبه من خفي الآفات، وما يعكر صفوه حين يهم بالزلات، فيتوب عند ذلك حياء من الله الذي يراه.

ويستتبع التوبة الإكثار من الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، وهذا يُشعر المسلم بالعبودية الحقة والتقصير في حق مولاه. فهو اعتراف منه بالعبودية وإقرار بالربوبية.

يقرأ المسلم في كتاب الله قوله تعالى: {فقُلتُ استغفروا ربَّكُم إنَّهُ كانَ غفَّاراً . يرسلِ السماءَ عليكم مدراراً. ويُمدِدْكُم بأموالٍ وبنينَ . ويجعلْ لكمْ جناتٍ ويجعلْ لكمْ أنهاراً} [نوح: 10ـ12].

وقوله تعالى: {إنَّ المتَّقينَ في جنَّاتٍ وعيونٍ . آخذينَ ما آتاهم ربُّهم إنَّهم كانوا قبلَ ذلك محسنينَ . كانوا قليلاً مِنَ الليل ما يهجعونَ . وبالأسحارِ هُمْ يستغفرونَ}[الذاريات: 15ـ18].

يقرأ المسلم هذه الآيات وغيرها، فيذرف الدمع أسفاً على ما قصر في حياته، وحسرة على ما فرط في جنب الله. ثم يلتفت إلى عيوبه فيصلحها وإلى تقصيرا ته فيتداركها وإلى نفسه فيزكيها، ثم يكثر من فعل الطاعات والحسنات عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام: ( "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالقِ الناس بخلقٍ حسنٍ"( رواه الترمذي في كتاب البر وقال: حديث حسن صحيح].

قال أحد العارفين: (تعتبر دعوى المدعي نتيجة دعواه، فإن ظهرتْ صحَّتْ، وإلا فهو كذاب، فتوبة لا تتبعها تقوى باطلة، وتقوى لا تظهر بها استقامة مدخولة، واستقامة لا ورع فيها غير تامة، وورع لا ينتج زهداً قاصر، وزهد لا يشيد توكلاً يابس، وتوكل لا تظهر ثمرته بالانقطاع إلى الله عن الكل واللَّجَأِ إليه صورة لا حقيقة لها، فتظهر صحة التوبة عند اعتراض المُحَرَّم، وكمالُ التقوى حيث لا مُطَّلِع إلا الله، ووجودُ الاستقامة بالتحفظ على إقامة الورد في غير ابتداع، ووجودُ الورع في مواطن الشهوة عند الاشتباه فإن تَرَك فكذلك، وإلا فليس هنالك) 
فلنبادر بالتوبة ولنعاهد الله عز وجل في بداية هذا العام الهجري 1431 أن نتوب توبة نصوحة 
وليقل كل بلسان حاله
أنا مذنب أنا خاطئ أنا عاصي
هو غافر هوراحم هوكافي 
هوغافر هوراحم هو كافي
قابلتهن ثلاثة بثلاثة
ولتغلبن أوصافه أوصافي
اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه 
الخطبة الثانية 
الدعاء